ابن الوزان الزياتي
125
وصف افريقيا
وسأبدأ من الغرب وسأتكلم على كل مدينة وعلى كل موقع هام على حدة . مدينة ماسّه وتتألف من ثلاث مدن صغرى تبعد الواحدة عن الأخرى بحوالي الميل الواحد ، وقد بناها قدامي الأفارقة على ساحل المحيط عند حضيض الرأس الذي يؤلف بداية جبال الأطلس . وهذه المدن محاطة بأسوار من الطوب النيء ، ويمر نهر السوس الكبير من بينها . ويعبر هذا النهر خوضا في الصيف ، ولكن لا يمكن اجتيازه شتاء إلا في مراكب صغيرة ليست مهيأة كل التهيئة لمثل هذه المهمة « 68 » . وتقع هذه المدن الصغرى في غابة تختلف عن الغابات المعهودة بأنها مجموعة كبيرة من النخيل يملكها هؤلاء السكان . ولكن تمور هذه النخيل ليست جيدة إذ لا يمكن حفظها على مدى العام « 69 » . وكل سكان « ماسّه » فلاحون يحرثون أراضيهم في أعقاب فيضانات النهر التي تقع في شهر أيلول ( سبتمبر ) وفي أواخر نيسان ( إبريل ) « 70 » . وتحصد الحبوب في حزيران ( يونية ) . وإذا لم يحدث فيضان في أحد هذين الشهرين فإن المحصول ينعدم تماما . وتندر الماشية هنا . ويقوم في خارج « ماسّه » على ضفة البحر ، جامع له مكانة كبيرة في نفوس السكان . ويقول بضعة مؤرخين أن من هذا الجامع سيخرج الخليفة العادل الذي تنبأ به الرسول مجمد « 71 » .
--> - كانت كلمة سوس تعني مجموع المغرب ( السوس الأدنى ) ، ولكن هذا الاسم انحصر فيما بعد بالمنطقة الواقعة جنوبي الأطلس ( ل . ماسينيون ، 1906 ، ص 193 ) . ( 68 ) لقد تبيّن أن ماسّه كانت تتألف من ثلاثة أحياء ضخمة تحمل بلا شك الأسماء الحالية : أغبالو ، آغادير نسوق ، وتاسلنوت . ولكنها قريبة من وادي ماسه وليس من وادي السوس . ( 69 ) « ملاحظة هامة جدا وهذا يصح بالنسبة لكل النخيل الذي نجده بجوار سواحل البحر في كل البلاد العربية ، حتى إن بعض النخيل تكون وظيفته الأساسية تقديم السعف أو الجريد لاستعماله في صيد السمك ، كما في البحرين وجنوب تونس » ( المترجم ) . ( 70 ) تنجم فيضانات أيلول عن الأمطار الخريفية ، أما فيضانات نيسان فتسبب عن ذوبان ثلوج جبال الأطلس . ( المترجم ) . ( 71 ) وقد أشار اليعقوبي لهذا الجامع منذ أواخر القرن التاسع هجري تحت اسم جامع البهلول . ويقول لنا الجغرافي العربي أن السفن الناقلة للحبوب والمصنوعة في الأبلة في صدر الخليج الفارسي ( العربي حاليا ) كانت تقطر بحرا لهذا المكان ، ومن هنا كان يركب التجار للذهاب إلى الصين . وقد جعلت هذه الجملة الشارحين في حالة حيرة . ويمكن مقارنة هذا القول مع ما يذكره لنا الجغرافي ابن خردازبة ، الذي اعتمد على مراجع النصف الأول من القرن التاسع الميلادي عن الرضبانية ( الرودانيين أي سكان وادي الرون ) ، وهم هؤلاء التجار اليهود المدهشون ، الذين كانوا ينطلقون بلا شك من مدينة آرل بجنوبي فرنسا ، ذاهبين أولا إلى السوس الأقصى ، ومن ثم يتجهون إلى مصر مرورا ببلاد البربر ، وثم إلى سورية والعراق وفارس والسندكي .